كيف تصرفت أمريكا على نحوسليم ؟
كتبهاد.اسماعيل عبد اليوسف ، في 20 شباط 2007 الساعة: 12:40 م
ينطلق بفن في كتابه الجديد - الذي يتكون من 17 فصلا وخاتمة- من فكرة أساسية وهي أن الانتقادات الدائمة لسياسة الولايات المتحدة الخارجية بوصفها قوة أمبريالية تبحث عن النفوذ و تسعى للسيطرة على مقدرات العالم تعتبر كذبة كبري. وإن الولايات المتحدة قد تصرفت على مدار القرنين السابقين على نحو سليم وملائم. وإن الحكومات الأمريكبة المتوالية منذ الاستقلال وحتى حرب العراق قد فعلت الشئ الصحيح، وهو الأمر الذي ضمن للولايات المتحدة ميزة التفوق الاقتصادي والسياسي والعسكري على الأقل منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى يومنا هذا. وينفي المؤلف عن منقدي السياسة الأميركية صفة النضج وعمق البصيرة قائلا إن من يظن أن صناعة السلام في العالم تتم بلا ثمن فهو واهم.
قوى الشر دفعتنا للتدخل في شؤون العالم
يستهل المؤلف كتابه بالتأكيد على أن تدخل الولايات المتحدة في شؤون العالم وصراعاته حدث رغما عن رغبتها. فمنذ الاستقلال الأميركي عن الاحتلال البريطاني في عام 1776 والمواطن الأميركي يشعر أن الولايات المتحدة جزيرة كبيرة منعزلة عن بقية العالم ومحمية طبيعيا بوجود المحيط الأطلنطي في شرقها والمحبط الهادي في غربها. وهذا ما يفسر من وجهة نظر الكاتب عدم اكتراث الولايات المتحدة على مدار قرن وربع القرن من تاريخها بالصراعات الدولية وعدم مشاركتها الأطماع الاستعمارية للدول الغربية في العالم. وبدلا من ذلك فضلت الحكومات الأميركية الاتجاه نحو الداخل لبناء دولة فتية ذات اقتصاد عملاق وقوة عسكرية متنامية للدفاع عن أمن هذه الجزبرة. لكن سقوط فرنسا التراجيدي على يد النازي في الحرب العالمية الثانية . والخطر الحادق ببريطانيا آنذاك والهجوم الياباني المباغت لميناء بيرل هربر قد دفع الولايات المتحدة إلى التدخل للدفاع عن أمنها الذي أصبح مهددا للمرة الأولى. ويجد المؤلف أبان الحرب الباردة للولايات المتحدة مبررا قوي لفعل كل ما تسطيع فعله لحماية أمنها الاستراتيجي في ظل زيادة المد الشيوعي في العالم وفي ظل التهديد المباشر لأراضيها أثناء أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962. وعندما سقط الاتحاد السوفيتي في بداية التسعينات وأصبحت الساحة الدولية خالية من المنافسة لم تتغطرس الولايات المتحدة وتهيمن على العالم وارتضت أن تتعامل مع الصراعات في العالم في إطار المنظمات الدولية كالأمم المتحدة ومنظمة التجارة العالمية. لكن صدمة هجمات الحادي عشر من سبتمبرالإرهابية كما يقول الكاتب قد غيرت وجه العالم، "فقد قام الإرهابيون بمهاجمة عقر دارنا، جزيرتنا التي كنا نظن أن تفوقنا السياسي والاقتصادي والعسكري سيضمن لها الحماية".
نرتكب أخطاء، لكنها قليلة وغير مقصودة
لا ينفي المؤلف أن الحكومات الأميركية قد ارتكبت أخطاء في معالجة الصراعات الدولية مثل العزلة السياسية التي تبنتها فيما بين الحربين العالميتين وسماحها لأنظمة استبدادية بمهاجمة الشعوب المسالمة. ومثل أخطاء حرب فيتنام. لكنه يعقب قائلا إن أخطاء الولايات المتحدة في السياسة الخارجية كانت متقطعة وكان الدافع من ورائها دائما النية الحسنة.
تصاعد خطر الإرهاب الإسلامي
يفرد الكاتب فصلا كبيرا من كتابه لتناول ظاهرة تنامي الإرهاب الإسلامي في منطقة الشرق الأوسط ولا یفرق في توصيفه للإرهاب بين تأميم جمال عبد الناصر لقناة السويس عام 1956 وبين قرار الملك فيصل بوقف ضخ النفط أثناء حرب السادس من أكتوبر أو بين ظهور جماعات إسلامية متشددة تستهدف المصالح الغربية والأميركية خصوصا. ورغم تقدير الكاتب لإسهام الحضارة الإسلامية - في القرون الأولى للإسلام - في تاريخ البشرية ، إلا أنه يرى أن تراجعا وانحطاطا واستبدادا قد حل مع مطلع القرن ال15 الميلادي محل التقدم السابق، واصبح إجمالي انتاج وتصدير 280 مليون عربي اليوم لا يساوي انتاج 5 ملايين نسمة هم سكان دولة فنلندا. ويضيف أنه لولا وجود النفط تحت الصحراء العربية ووجود دولة إسرائيل في المنطقة لما سمعت عنهم أو قامت لهم قائمة في العالم المتحضر. ويرى الكاتب أن الفشل الذريع للعرب على المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي والغيرة من الغرب المتقدم والحقد على الحرية والتقدم والرخاء التي ينعم بها كانت الدافع وراء انتشار ثقافة العنف ضد الغرب والولايات المتحدة وإسرائيل على وجه الخصوص.
ويعتبر الكاتب أن اخطاء بعض الرؤساء الأميركيين مثل موقف كارتر الضعيف من قضية أزمة الرهائن في إيران عام 1979 ومعارضته للاحتلال السوفيتي لأفغانستان وخطأ الرئيس ريغان بإرساله المارينز إلى بيروت عام، 1983 وعدم جدية كلينتون في تقدير الموقف في الصومال عام 1993 وظهور الولايات المتحدة في صورة العاجز قد ساهمت جميعا فی تنامي وتصاعد الإرهاب في المنطقة.
ولكن ورغم ذلك يقول الكاتب أن أمریكا كانت على صواب وتصرفت على نحو سليم عندما تدخل الرئيس نیكسون لوقف إطلاق النار بين العرب وإسرائيل عام 1973 كما قام كارتر بدور مهندس اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل. وقام الرئيس جورج بوش بواجبه عندما أجبر صدام حسين على الانسحاب من الكويت. وكانت أمريكا على صواب عندما أوقفت في عهد كلينتون الإبادة البشرية في البلقان .بينما كان إعلان جورج دبليو بوش الحرب على الإرهاب وملاحقة القاعدة والحرب في العراق الرد البليغ على تهديد أمن الولايات المتحدة.
لتكن معنا أوتكن ضدنا
في إشارة إلى موقف دول أوربا الغربية من فكرة الحروب الاستباقية والحرب في العراق، يدافع المؤلف بشدة عن المنطق الذي استخدمه الرئيس بوش بعد هجمات سبتمبر وهو "من ليس معنا فهو ضدنا" ويقول إن الشعب الأمريكي كان ومايزال يميز الأشياء والأحداث من خلال لونين فقط هما الأبيض والأسود. أما اللون الرمادي فهو وسيلة بعض الأمم التي تبحث عن مصالح قريبة ربما تتعارض مع تاريخها وقيمها.
مهمة الولايات المتحدة في السنوات المقبلة
يقدم المؤلف في ختام كتابه وصفة استراتيجية مستقبلية للولايات المتحدة ذات تفاصيل عسكرية دقيقة تستطيع من خلالها أن تحافظ على تفوقها العسكري والسياسي وتحول من خلالها أيضا دون أي خطر يتهدد أمنها. وأول ملامح هذه الوصفة هو أن تحول الولايات المتحدة بكل السبل الممكنة دون أن تمثل أي دولة مارقة أو جماعة إرهابية تهديدا نوويا لأي شبر من الأراضي الأميركية. وذلك بالحفاظ على هامش التفوق العسكري الأميركي والسعي بقوة للتخلص من حكومات الدول المارقة وتدمير كافة شبكات وخلايا التنظيمات الإرهابية. ويستثني الكاتب الصين من خطة الاستهداف الأمريكي باعتبار أن الصين لا تمثل تحديا عسكريا للولايات المتحدة وأنها تفضل المنافسة الاقتصادية اكثر من أي شيء آخر. و یحث المؤلف الإدارة الاميركية مستقبلا على أن توجة ضربة جوية شاملة تدمر كافة منشآت إيران النووية وهو على يقيين كامل من إن إيران ليس بإمكانها القيام برد فعل يهدد أمن الولايات المتحدة.
وفيما يخص كوريا الشمالية يفضل الكاتب تقويض القدرات والبرامج النووية لكوريا من خلال المفاوضات والضغط الدبلوماسي باعتبار فداحة نتائج رد فعل كوريا الشمالية إذا ما تعرضت لضربة أمريكية. ويؤكد المؤلف على أهمية منع الولايات المتحدة وصول أي أجهزة أو أسلحة نووية لجماعات الإرهاب من بلدان مثل روسيا وباكستان مذكرا بخطورة نموذج مافيا التجارة النووية التي تزعمها العالم الباكستاني عبد القادر خان منذ عام 1987 . من الملامح الأساسية لوصفة بفن الكسندر الاستراتيجية أن تقوم الولايات المتحدة بالعمل والتعاون عن كثب مع دول أوربا الغربية على تدمير كافة خلايا وشبكات وتنظيمات الإرهاب الإسلامي أينما وكيفما وجدت. ويقول بصراحة إن خطر الإرهاب سييظل ماثلا حتى يتم تدمير كافة خلايا الأصولية الإسلامية.
يخلص المؤلف بعد استعراضه لمسيرة الولايات المتحدة في التصرف على نحو سليم في القضايا والسياسة الخارجية منذ نشأة الدولة وحتى غزو أفغانستان والحرب في العراق وهروب فلول تنظيم القاعدة واختبائهم كالفئران في الشقوق والكهوف على حد تعبيره إن أمام الولايات المتحدة عملا لابد أن يكتمل، ففي أفغانستان لابد من استقرار الأمن والنظام . وفي العراق ينبغى ألا تسمح الولايات المتحدة للشيعة بإقامة دولة على النمط الإيراني وألا تسمح للسنة بالعودة إلى الاستبداد وألا تسمح لكليهما باضطهاد الأكراد.
وفي الختام يرى بفن أن تجفيف منابع ومصادر تهديد الأمن القومي الأميركي بما تقوم به الآن في الحرب على الإرهاب مسألة محسومة وحتمية لكافة الأميركيين باستثناء قلة قليلة من اليسار المتطرف الواهمين بتحقيق السلام والأمن في العالم دون دفع ثمن.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : كتب ومقالات | السمات:كتب ومقالات
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج


























